دراسات إسلامية

 

 

 

 

 

نهضة الكتابة في العصر النبوي وصدر الإسلام

 

بقلم :  الأستاذ محمد عبده الهنداوي

 

 

 

 

                                                                                                  

     شهدت الكتابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تقدمًا كبيرًا، وازدهارًا عظيمًا، وانتشارًا واسعًا، ولا ريب في ذلك، فقد حض القرآن الكريم على التعلم في أول آية أنزلت منه في قوله تعالى: «اِقْرَأْ بِاِسْمِ رَبِّكَ الَّذِيْ خَلَقَ. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ . الَّذِيْ عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَالَمْ يَعْلَمْ» (سورة العلق الآيات من 1:5) وحث الرسول الأكرم على الكتابة والقراءة أيضًا، واقتضت طبيعة الرسالة الإسلامية أن يكثر المتعلمون: من قارئين وكاتبين، فالوحي يحتاج إلى كتاب، وأمور الدولة المتنوعة من: مراسلات، وعهود ومواثيق، تحتاج إلى كاتبين ومتعلمين، فكثر الكاتبون، ليسدوا حاجات الدولة الجديدة، وينهضوا بشؤونها، فكان للرسول عليه الصلاة والسلام كتاب للوحي بلغ عددهم أربعين كاتبًا، وكتاب للصدقة، وكتاب للمداينات والمعاملات، وكتاب للرسائل يكتبون باللغات المختلفة السائدة في ذلك العصر.

     ومن أشهر هؤلاء الكتاب من المهاجرين والأنصار: الخلفاء الأربعة، ومعاوية بن أبي سفيان، وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وثابت بن قيس، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة، وعمرو بن العاص، وحنظلة بن الربيع، وعبد الله بن الأرقم الزهري وغيرهم(1).

     وقد كثر الكاتبون بعد الهجرة النبوية، عندما استقرت الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، فكانت مساجد المدينة التسعة إلى جانب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم محط أنظار المسلمين ومبتغاهم، يتعلمون فيها القرآن الكريم، وتعاليم الإسلام، والقراءة والكتابة. وبحسبك أن تذكر أثر غزوة بدر الكبرى في تعليم صبيان المدينة، ونشر العلم بين ربوعها، حينما أذن الرسول عليه الصلاة والسلام لأسرى بدر من المشركين بأن يفدي كل كاتب منهم نفسه بتعليم عشرة من صبيان المسلمين القراءة والكتابة.

     ثم اتسع نطاق التعليم، وانتشر العرفان في الآفاق الإسلامية، بانتشار الصحابة رضوان الله عليهم، وكثرت حلقاتهم، وانتظمت في المساجد، وكثر المعلمون، وانتشرت وشاعت الكتاتيب في مختلف أرجاء البلاد الإسلامية، وغصت بروادها، وازدحمت بطلابها(2) والراغبين فيها.

     فقد اكتظ كتاب الضحاك بن مزاحم المتوفى سنة 105هـ بطلابه، حتى اضطر إلى أن يطوف على حماره، ليشرف على طلاب مكتبه، الذين بلغ عددهم ثلاثة آلاف صبي والعجيب أن الضحاك كان لايأخذ أجرًا على عمله، بل ينهض بعملية التعليم تطوعًا واختيارًا.

     وقد كان لذيوع الكتابة وإتقانها أبعد الآثار في تدوين العلم وحفظه وانتشاره. وأول ما دون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يتنزل به الوحي من القرآن الكريم، والوثائق والمعاهدات، والكتب إلى الولاة والرؤساء والملوك وغير ذلك مما تحتاج إليه الدولة، كما دون بعض من الحديث النبوي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على يد عبد الله بن عمرو بن العاص، ثم ما لبث أن اعتمد أهل العلم على تدوين كل ما له صلة بعلوم الشريعة والدين. وما كاد القرن الثالث الهجري يأفل(3) نجمه حتى ذاعت المؤلفات في مختلف العلوم والعرفان. استمع إلى المؤرخ المشهور المحقق ابن خلدون يسجل ذلك في مقدمته الذائعة الصيت ص 420 فيقول: «وطما(4) بحر العمران والحضارة في الدول الإسلامية في كل قطر، وعظم الملك، ونفقت أسواق العلوم، وانتسخت الكتب، وأجيد كتبها وتجليدها، وملئت بها القصور والخزائن الملوكية بما لا كفاء له(5).. (مقدمة ابن خلدون أيضًا)

     وجدير بنا في هذا المقام أن نشير إلى أهداف المكتبة، وآثارها في التربية والتعليم.

أهداف المكتبة وآثارها التربوية

     ولا ريب أن للمكتبات العامة والخاصة أكبر الآثار، وأخطر الأهداف في العملية التعليمية ونشر الثقافة والعرفان، فهي تشجع الطلاب على المطالعة، وتنمي ميولهم ورغبتهم نحو القراءة والاطلاع، وتكون فيهم عادة الاستفادة من أوقات الفراغ، وتغرس فيهم الاعتماد على أنفسهم في اكتساب المعرفة والتعلم، وحسن استيفاء المعلومات من المصادر والمراجع المطبوعة والمخطوطة، وعدم الاعتماد على المدرس في كل شيء حتى يصل الطالب إلى مرحلة الاستقلال في أبحاثه وتفكيره.

     هذا إلى أن المكتبة العامة تهدم الحواجز التي تفصل المعارف البشرية، بعضها عن بعض، وبذلك تبدو المعارف الإنسانية مجموعة متكاملة، متصلة غير منفصلة. هذا فضلاً عن أن المكتبة تسهم إسهاما فعالاً في بناء المواطن الصالح، بما تهيئه من الغذاء العقلي، والزاد الروحي، لأبناء الأمة، فتوسع المدارك وتزكي الأفئدة، وتقضي على الجهالة، كما يقضي النور على الظلام، وفي هذا الخير العميم للفرد والجماعة، والمكتبة تغرس في نفوس روادها عادات اجتماعية فاضلة، كالأمانة، والتعاون الجماعي، والتوجيه والمساعدة، والحفاظ على الأنظمة، والحرص على الكتب من التلف؛ لأنها من ذخائر الأمة وتراثها.

     ولاريب أن المكتبة عامل هام في الكشف عن الميول الفردية والمهارات الشخصية، فيشعر الطالب بالارتياح والتجاوب مع موضوعات خاصة، كما يحس ويلمس في نفسه في أعقاب ذلك القدرة على محاكاة أديب أو مضاهاة كاتب أريب، فيرتقي من مرحلة التقليد إلى مرحلة الابتكار والتجديد، والاستقلال بشخصيته الأدبية أو العلمية.

نشأة المكتبات الإسلامية:

     يلوح(6) لنا أن المكتبات نشأت في الإسلام مع نشأة المساجد الإسلامية، فقد كان المسجد مدرسة فوق كونه مكانا للعبادة، بل كان مركز الحياة الاجتماعية والسياسية، ومركز إدارة الدولة وتسيير أمورها في صدر الإسلام، كما كان محط أنظار المسلمين، ومثابة حلقات العلم، واجتماع العلماء، وتعليم أبناء المسلمين القرآن الكريم والتفسير والحديث وأصول العربية، وغيرها من مواد الثقافة المعروفة وقتئذ، ومن ثم(7) كان اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم ببناء مسجد قباء بعد الهجرة مباشرةً، ثم تأسيس مسجده في المدينة المنورة في الأيام الأولى من وصوله إليها، ثم تتابع إنشاء المساجد، فيها وفي حواضر البلاد الإسلامية. قال الله تعالى: «لَمَسْجِدٌ أسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُوْمَ فِيهِ، فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوْا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ» (التوبة آية 108)

     ولا غرو(8)، فقد كان المسجد أول المعاهد في صدر الإسلام، وكان لايخلو من صحف القرآن الكريم وتفسيره، وصحف الحديث النبوي وغيرها.

     ويمكننا أن نقرر أن أولى المكتبات كان مقرها بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان يجمع فيه ما يدونه كتاب الوحي من التنزيل الحكيم، ثم نقلت الصحف من بيت الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن عند الصحابة إلى بيت أبي بكر، بعد أن جمعت في مصحف في عهد الصديق على يد زيد بن ثابت أحد كبار كتاب الوحي وحفاظه، ثم حفظت هذه الصحف عند عمر بن الخطاب أيام خلافته، وبقيت عند حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها إلى أن استعارها عثمان بن عفان رضي الله عنه منها، ونسخ منها المصاحف، وأرسلها إلى حواضر الأقطار الإسلامية، ثم ردها إليها.

المكتبات الخاصة

     وفضلاً عن ذلك، فقد كان لبعض الصحابة والتابعين كتب في بيوتهم، بمنزلة المكتبات الخاصة، فقد كان عند سعد بن عبادة الأنصاري كتب فيها طائفة من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وعند عبد الله بن مسعود مصحفه المشهور، وصحف أخرى(9) بخطه.

     وقد اشتهرت صحيفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب المتوفى سنة 40هـ التي كان يعلقها في سيفه فيها أسنان الإبل، وأشياء في الجراحات، وحرم المدينة، ولا يقتل مسلم بكافر(10) وكان عند أبي هريرة رضي الله عنه كتب كثيرة فيها حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص المتوفى سنة 65هـ يحفظ كتبه وصحفه في صندوق له حلق.

     كما كان لابن عباس رضي الله عنهما المتوفى سنة 68هـ كتب كثيرة بلغت حمل بعير.. وكان عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما المتوفى سنة 73هـ كتب كان إذا خرج إلى السوق نظر فيها، وكان عند عروة بن الزبير (22-93هـ) كتب احترقت يوم الحرة فحزن عليها، وكان يقول: (وددت لو أن عندي كتبي بأهلي ومالي(11)).

     وأخبار الكتب والمكتبات كثيرة جدًا، يتضح منها اهتمام المسلمين بالعلم: أفرادًا، ومسؤولين، وحكامًا، وقد كثرت المكتبات العامة منذ أواخر القرن الهجري الثاني، وأمدها الخلفاء والأمراء والمسؤولون بما تحتاج إليه من الموظفين والمواد الكتابية، وزودوها بأمهات الكتب في شتى العلوم، وتباري الخلفاء والأمراء في مشرق الدولة الإسلامية ومغربها في الحصول على أنفس الكتب وأندرها حتى زخرت خزائن المكتبات العامة بآلاف المجلدات، وقد روي أن خزانة قرطبة بالأندلس(12) ضمت أربعمائة ألف مجلد، إبان ازدهار الخلافة في الأندلس، في حين أن شارل الخامس ملك فرنسا في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) لم يستطع أن يجمع في مكتبة فرنسا الرئيسية أكثر من تسعمائة مجلد خمسها في اللاهوت.

     وهكذا احتفى الإسلام والمسلمون بالعلم والتعليم، وبث المكتبات في ربوع الوطن الإسلامي تحقيقًا لقول الله تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَيَعْلُمُونَ، إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ» (سورة الزمر الآية 9)

*  *  *

الهوامش:

(1)         انظر «مناهل العرفان في علوم القرآن» ص 239، 360 ج1.

(2)        انظر معجم الأدباء ص 16 ج12.

(3)        يغرب ويغيب.

(4)        ارتفع وامتلأ .

(5)        مثيل له.

(6)        يلوح: يظهر.

(7)        ثم: هناك.

(8)        لاعجب.

(9)        مناهل العرفان ص 254 ج1.

(10)    انظر السنة قبل التدوين ص 345.

(11)    انظر كتاب أصول الحديث ص 199.

(12)     انظر فهارس المكتبة العربية في الخافقين ص 4.

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، جمادي الثانية 1432هـ = مايو 2011م ، العدد : 6 ، السنة : 35